لبستُ ثوبَ الحزنِ مرغمةً لا انبلاجُ الفجرِ أضاءَ حوافّهُ، و لا زهرُ الرّبيعِ زيّنَ جنباتِهِ. أُلبِسْتُهُ في زوايا البيتِ الصّغيرِ وقدْ أصرّ الأب أن يملأه بالأولادِ رغمَ عجزِهِ عن تقديمِ الكفافِ ، وراح ينتظرُ على كرسيّ المقهى هطولِ رزقِهم من السّماءِ في مساءات صيفيّة يزينها ضوءُ القمر.
تسربلْتُ ثوبَ القهرِ فتعلّمْتُ نشيدَ الآهِ، والأمُّ مصلوبةُ على خشباتِ الحاجةِ والحرمانِ، وتسعى على قوتِ عيالها. إبرةُ الخياطةِ بيدها في اللّيلِ، ونهاراً تجوبُ السّوق باحثةً عمّا ارتفع وزنه، وقلّ ثمنُه لإسكات أفواهٍ جائعة وإكساء أجساد تنمو، وتبرد في شتاء لا يعرف الدّفء.
كُسيْتُ ثوبَ الحرمانِ من الحنان فالأخُ ليسَ بأخٍ وهو يدورُ من مكانٍ لآخر باحثاً عن صفةِ أجير علّهُ يحظى بمصروفٍ يسدُّ الرّمقِ لا يرى في الرّبيع إلا القدرة على البقاء في الحدائق العامّة أطول ساعات في النهار.
مُنِحْتُ تاجَ المرارةِ والأختُ لا وقتَ لديها لمسامرة أخت وهي تطوف على بيوت الأغنياء تعرضُ مهارتها في العمل وأملها بأجر زهيد علّها تعودُ بلقمةٍ عافَتْها أفواه الأغنياء رأفة ببطونهم.
توشّحْتُ بالخوفِ على موقفِ الصّبرِ بانتظارِ الخروج على متنِ خاتمِ ذهبيٍّ يمنحني غرفةً بسريرٍ مريحٍ وغطاء دافئ. لقمة هنيّة بلا وجل من عين تراقبها، بلا رعب أن تعتدي على حقّ غيرها. ركبْتُ بساطَ الرّيحِ...لكن نُزِعَتْ عنّي بقايا الكرامةِ معَ ثوبِ الزّفافِ المستعار، ووجدتُ نفسي أحثّ الخطى في الطّريقِ الذي سلكتْهُ أمّي وأرى بداية حياتها التي لم أعرفْها.
ومن غير حولٍ و لا قوّةٍ. ومن دونِ أن أفهمَ شيئاً مما يجري خارج جدران بيتنا اشتعلت نيرانُ حربٍ شعواء، لم تطفئْها أمطار و لا ثلوج الشّتاء، و لم تُخفّفْ من لهيبها قطراتُ ندى الرّبيعِ و لا الخريف. حربُ فتنةٍ التهمت البشر والطرقات تبعثرت حجارة الغرفة الضّيّقة فوق الأثاثِ الفقيرِ، تلاشتْ صرخاتُ الاحتجاج في فضاء المنكوبين، تشتّت نظراتُ العطفِ: كثيراتٌ هنّ الأراملُ، و الأكثرُ هم الأيتام. ووجدْتُ نفسي مرميّةً على الرصيف بلا سقف يغطينا معلّقة بأمل أن يعود زوجي من بحر الضّياع، و أن يكبرَ صغارٌ لم يتذوّقوا لذّةَ الأمانِ، و أن أحيا في بيتٍ كما عاشت أمّي.