مُحاصَرةٌ بمواويل الآه، بانكسار الضّعيف قالت : نعم ورموشُها المتعانقةُ بالدّمعِ السخيّ تقول: ألف لا .
ردّدتْ نعم وجفناها الملتهبان بحمرة بكائها الطّويل يتفقان مع أنفها، ويتنافران مع خدّيها الشّاحبين.
نعم... نعم... نعم أجابت بها على سؤال المٌستفهِم المُستغرِب ويمناها تحتضن يسراها، والأصابع تكاد تكسر بعضها في اشتباك المغلوب مع المهزوم.
وسرعان ما وضع الأبُ كفَّهُ الملتهبة في كفّ باردة متجعدة تروي الشّرايين النّافرة رحلة عمرٍ طويل، وكرر الأبُ ببغائيّاً ما يسمع من فمِ رجلٍ مهمتُهُ كتابةُ عقدٍ حلّلته الشّرائعُ، ولعبت به الأهواء والمطامع.
اقتربت منها الأمّ ، وصوتها الخافت يشحذ أنفاسا متقطّعةً: جهّزي نفسَكِ. وخرجت قبل أن ترفع الصّبيّة عينيها. توجّهتْ إلى المطبخِ . طفقَتْ تدور وهي تجهّز حفل عشاء ضيف الفرج وتدرّب وجهها على ابتسامات القاتل في حفل تكريم القتيل.
- الرّجلُ لا يعيبه شيء . يجب أن تتزوّج لا يمكن تركها وحيدةً في بلدٍ منكوب: رغيف الخبز يمتطي صهوة جواد السّباق، وأسطوانةُ الغاز تحلّق على جناحي العنقاء، وليتر المازوت لؤلؤ في أصداف الأعماق.
- زواجها ضروريّ من هذا الرجل فالمسؤولون في البلد الغني لا يسمحون لها بمرافقتنا ودخول أراضيهم فهي عبء كبير عليهم. فكيف نتركها هنا؟ و إلى متى ننتظر عريسا يعجبها والشباب غدوا عملة نادرة في زمن الأهوال؟.
- نصيب وقدر عليها أن تقبله وحالها أفضل من غيرها. وتابعت الأمّ تجهيز الطعام.
بينما الصّبيّة في غرفتها قامت عن كرسيّ حمايتها تجهّز بضاعتها لمهانة استلام وتسليم جسد السبيّة . لا للكلام بعد أن رفع والدها في وجهها أصابع الاتهام في بلدٍ الكلُّ مذنبُ، الكلُّ بريءٌ، الكلّ يتّهم الكلَّ. لا احتجاج وقد سالت دموع الأمّ سواقي: رفضُك الزواجَ سببُ حرماني من إخوتك، سأموت قبل رؤيتهم، وستحملين وزري.
رفعت الصّبيّة يدَها كُرها لتلوّن بدم القتيل شفتي العروس، خطّطت أسى القلب وقسوة الأيّام كحلا سوّر العيون. أخفت جفنيها بلون ربيع هجرَ العمرُ خضرته ، وشرعت تدور في أرجاء البيت الذي سيُؤجَّر بعد سفر والديها ليعيشا من ريعه بكرامة في البلد الغريب. خطواتها الوئيدةُ تأبى أن تخرق صمت القبور في بيت عرس. جمعت شجاعة نسوة العالم ثمّ ولجت الغرفة بخطوات آليّة ونظراتها الزجاجيّة لا ترتفع عن بلاط الأرض. استأذن الأبُ بذريعةِ اتّصالٍ هاتفيٍّ من ابنه المسافر، وجلست الأمّ على حافّة الأريكة ونظراتها تخترق الأرض علّها تميد فترحم ابنتها من مأساتها، من دفنها مع رجل يكبرها بأكثر من ثلث قرن. حبست العروس الحائرة صرختها ما هكذا تزفّ العروس ، أين الثوب الأبيض؟ أين المدعوات؟ أين الزغاريد؟ خنقتها دموع لا تجرؤ على منحها حرية المسير: آهٍ يا بلد! ما لكَ تحرقُ شبابك وتمنح الصبايا لعجائز يملكون بيتا و راتب تقاعد بسيط؟ وانفرجت شفتاها عن ابتسامة استهزاء في فرح جنازة صبيّةٍ عربيّة.