يبسمُ الضّوءُ في بعضِ نوافذ الحيّ يتحدّى كآبة رباطٍ مقدّس جمعَ بين عتمة ليالٍ شتويّة وانقطاع التّيّار الكهربائيّ.
يشرقُ النّورُ في شبابيكَ بعيدةٍ فيبهجُ قلوباً جرّحها ظلمٌ، وتدمعُ عينُ الفقير إذْ غدَتْ عدّةُ الإنارة الجديدة وخزةً موجعةً في خاصرةِ أسرةٍ تعاني صنوف التّرقّب بطعومه الكريهة.
ويتراقص في وجه النسوة سبب آخر للبحث عن جمعيّة تسعى كلٌّ منهنّ لقبضِ مبلغها أوّلاً علّها تحظى بشراءِ بطاريّة وشاحن ورافع جهد مفردات غريبة باتت مألوفة للصغير والكبير عند كلّ عائلةٍ في البلد المنكوب بدفع فاتورة حساب سواد القلوب.
تلك الأدوات التي ساهمت في نشرها عقول سئمت الخضوع للسواد ، فأعجبت الفكرة تّجاراً فتحوا الطرقات المغلقة لإدخالها للبلد، وأتخموا جيوباً ملأى بعد أن حلّقت أسعار سلع الأزمة الكئيبة على جناح الخيال.
وكثر من امتلك إضاءة ترضع لبان الكهرباء لإنارة صفحات كتاب، لدرءِ شبح العتمة، لمحاربة ظلمة النفوس وظلام الأفئدة.
تاقتْ نفسُ السيّدة خديجة لنورٍ يملأ بيتها لوقت قصير في عتمة تطول. جفونها أحرقتها الظلمة، وصغارها يحتجون ، وواجباتهم الدّراسيّة تندبُ الأقلام والورق ، وزوجها يملك الكثير من المال لكنّ شحّه الكبير جعله يَعِدُ ويُخلف. يحلف ويكذب. ولما حوصر بإلحاحهم صاح في العيون الحالمة: ناموا، وانهال بقذائفه يحرق خيوط المودّة العنكبوتية . تجرّأت وطلبت حزمة شموع تغازل بلهيبها المتواضع ضوء النوافذ المترفة صرخ في الوجوه غاضبا محتجّاً على كثرة طلباتهم مهدّداً. كظمت الأمّ غيظها، وانسحبت من معركتها الصغيرة المستديمة مع زوج لا يعرف حقوق رعيّته، وتركته ينقل أخبار حرب بلدٍ أشعل فتيلها جهلاء بحقّ الوالدة والولد، أغبياء ما عرفوا نعمة العيش في أسرة ، فأحاطوا البلد بحبل من مسد.
ضمّت السيّدةُ المنهكة صغاراً لا يعرفون سرّ القسوة، وعيناها تبرقان : غداً يقصر ليل الشتاء ، وتطيل لنا الدنيا ساعات النهار.