الرّيحُ تعوي وجدرانُ المأوى تصفّقُ، فتزيدُ ظلمةَ اللّيلِ وحشةً. يتوشّحُ شُباطُ بعباءَةِ السّطوةِ، يجيدُ فنونَ الأقوياء في النّيلِ من الضّعفاءِ بالكذبِ عليهم والضّحكِ منهم.
بردٌ... وألسنةُ اللّهبِ تئنُّ شوقاً إلى قطعةِ حطبٍ، إلى قطرة وقود وعيونُ الصّغارِ ترقبُها بوجلٍ، و ترجو صحبتها ما تبقّى من شتائهم.
عتمةٌ... وبقايا النّارِ المشتعلة تنوح تحت سياطِ الرّيح التي تلهو بها كما تشاءُ ، ويتشبّثُ الأولادُ بأمّهم يحتمون بحجرها من عدوٍّ جبّار يريد الانقضاض عليهم.
سوادٌ قاتم... والمرأةُ تدورُ في أرضها، تدعو أن يغفو صغارها قبل أن تترمّد النّارَ علّهم ينعمون بسكينة الدفء في أحضان أغطية صوفية جادت بها جمعيّات خيريّة. تغني لهم فيغلبُ صوتها بحنانه رعونة العاصفة، ويهجع الصّبيةُ على حلمٍ واحدٍ: بيتٌ دافئٌ، وثلاجةٌ ملأى، وأمٌّ بلا دموع، وأبٌ يعرفُ طريقَ الرّجوع.
يتمزّقُ قلبُ الأمّ رأفةً بصغارٍ اُغتيلَتْ طفولتهم، وسُحِقَتْ براءتهم تحتَ نعالِ القساةِ والطّامعين من تُجارِ الأزمات. وتتمزّقُ الطبيعةُ غيظاً من خيامٍ تهزأ بمَنْ رماهم القدرُ في أحضانها فلا تقيهم برداً، و لا تردُّ عنهم حرّاً. خيامٌ ما هي إلا قطع قماشٍ يسخرُ بها متشدّقو الإنسانيّة على ضحايا قادتهم رحلة المجهول إلى مغادرةِ الدّيارِ.
خيامٌ تصارعُ على استحياء ريحاً تمقتُ ضعيفاً يتحدّاها فتلاعبها ساخرة منها والخيامُ الصامدةٌ تغطي أشلاءَ مَنْ بداخلها لكنّ الإعصار يصرُّ على جبروته وانتصاره ليصحو الجالسون أمام التلفاز يتلذّذون بقهوة الصباح على صورة تتأفّف منها عيونهم النّاعسة عن: أمّ تخشّبَتْ وهي تكبُّ فوقَ صغارِها علّها تحميهم من ريحٍ تسعى لتمزيقهم.