لسعاتُ البردِ القارسِ تخترقُ العظامَ فتؤلمُها، قطّبَ الأفقُ الشّتويّ جبهَتَهُ مهدّداً ، تسلّل الخوفُ إلى نفسِ أبي ابراهيمَ فَجنحَ بمقودِ درّاجته ذات العجلات الثلاث ( الطّرطيرة) متجهاً نحو بيتِهِ وصبيّهُ الصّغيرُ أيّوب في صندوقِ العربةِ حاسر الرّأسِ يتلقّى صفعاتِ الرّيحِ، ويختزنُ البرودةَ في جسدِهِ الهزيلِ أمراضاً للمستقبلِ.
صوتُ العربةِ المتهالكة ( الطّقطيقة) جرسُ رعبٍ للأسرةِ، يثيرُ شهيّته للصراخِ وإطلاقِ الشّتائمِ
بعدَ أن سلبَهُ اللّصوصُ سيّارةَ النّقلِ الصّغيرة في بلدٍ جوعُ أفرادِهِ الأمانُ، ووقودُ حربِهِ فقيرٌ يلتهمُ فقيراً.
تركَ الصّبيّ يغطي بضاعته البخسة: كسر خبز يابس، علب بلاستيكية، خردة حديديّة... وصعد الدّرج يشتم كلّ شيء، وزوجته المتأهبة لاستقباله قدماها تصدمان بكلّ ما في طريقها فعودته المبكرة نذير شؤم وزيادة في الطّرق على غشاء الطبل الذي مازال صامداً رغم أعاصير حباله الصّوتيّة.
سارعت بتقديم وجبة (المجدّرة)بصلها اقترضته من الجيران، أرزها ، سمنها، عدسها من حصتهم في إعانة يلقي بفتاتها عابثون مترفون فطورهم في روما ، وعشاؤهم في باريس.
جلس إلى مائدته وحيدا عابسا يفرّ الأولادُ من سطوته غير آبهٍ بالمدفأة، فنارها تعاني النزاع قبل التأجّج: الوقود مفقود، والحطب سلعة غالية وما يجمعه في طريقه ريان بالمطر.
تناول وجبته بجفاء لا قطعةَ مُخلّلٍ يمزّقُها بأسنانِهِ المتآكلة، و لا كأسَ لبنِ تدفعُ باللقيماتِ في جوفه. انسحب إلى الخلف وعينه على الرضيع عثمان يحبو، صرخ: أبعدي الصّغير عن النار، حذارِ أن يُصابَ بأذى يا مجنونة!
لبّت مذعورةً: وحدَها تُهان إذا نقصَت السلعُ زمنَ الحربِ والسلمِ، تُدعَسُ عندَ غلاءِ الأسعارِ بيد تجارِ الهلاك. وعليها امتصاصُ غضبِ ذكورٍ يعجزُ أحدُهُم عن ردّ إهانةِ ذكر مسلّح.
تمدّدَ على فراشِهِ الإسفنجي الملتصقِ بالأرضِ المحرومةِ من غطاءٍ سميك، ولهبُ فتيلِ الزّيتِ يصارع العتمة. مناغاةُ الرّضيعِ موسيقا عذبة تداعبُ روحَهُ، أصابعُه المصفرّةُ تحتضن ُلفافةَ تبغٍ نفث دخانها ليخفي دموعا تسلّلت رغمَ قناعِ القسوةِ الذي يلبسُهُ فقد قفزتْ ذكرياتُ ابراهيمَ من غياباتِ المجهول ، ترفضُ بسمتُهُ الخجولة أن تنأى عنه، دعَكَ عينيه لو يدري أنه يتنشقُ الهواءَ تحتَ سقفٍ لاطمأنّ، ولو كان يعرف له قبراً يضمّه لَزارَهُ وارتاحَ، لكنّ كلّ النّاس المتزاحمين في الطرقات ... لا يعرفون... كلّ النّسوة الباكيات لم يجدن أبناءهنّ... كلّ الأطفال الباحثين عن ذويهم لا يعلمون.
فاضت عيناه من جديد وهو يرقب الجدارَ العاريَ من طبقةٍ إسمنتيةٍ تسدُّ الشّقوقَ، والمحرومَ من صبغةِ دهانٍ تنيرُ إن تسلّلَ إليها عنوةً ضوءُ النهار.
تحسّسَ النقودَ في جيبِهِ: قليلةٌ لا تكفي أجرةَ هذا المأوى البائس، وصاحبُه العاجزُ لن ينتظرَ أكثر. تنهد بمرارةٍ لم يخطرْ على بالِهِ أن يفقدَ بيتَه ُقبلَ أن ينعم َبدهانِه ِالأبيض، بِغرفِه المتسعة، بِشجراتِه المثمرة... لكنها قذيفة لئيمة لاعقلَ لها ولا قلبَ فكيف تعرفُ كم استهلكَتِ الطرقاتُ من عمرِهِ حتى امتلكَ بيتاً في أحدِ المشاعاتِ المنسيةِ على أطرافِ المدينةِ التي تلفظُ فقراءَها المعدمين.
تحجّر القهرُ في جوفِهِ، وتشجّرَتِ المرارةُ في عينيه، لفّّتْ أغصانَها المطاطيةَ حولَ عنقِهِ، عجزَ الأنفُ عن استنشاقِ الهواء، انفصلَتِ الروحُ عن رفيقِ العمر، وطفقَتْ تجوبُ عوالمَ السماء. غادرت الجسد كتلة تضرّ ولا تنفع تستغيث أيادي بيضاء تواريها التراب في زمن الحرب حيث مزقُ الأشلاءِ على الطرقاتِ ومراسمُ الجنازةِ ترفٌ لا يحظى به إلا السعداء.
و تركت صِبيةً أيتاماً محكومون بيد سفلى تستجدي الهمم و امرأة ذاهلة تستصرخ الذمم في مشوار عمر يطول.... ويطول ... ورحلة بلا زاد.