مزّقت الشّمس حجبَ الغيومِ الرّماديّة، وتألّقتْ مزهوّةً بسموّها عن دنسِ الأرضِ، وشرعت ترقبُ البشرَ يتسارعون في دروبِ الحياة، وتغضُّ الطّرفَ عن أطفالٍ تخوضُ أقدامهم في المستنقعات، وتبسمُ للسعيدِ الذي امتلك حذاءً جادت به يدٌ سخيّة، وتداعبُهم حيناً بشعاعها الشّاحبِ وهم يحثون الخطو نحو تجمّع تحت قبّةٍ زرقاء قماشيّة ينالون فيها قبسا من نور يضيء الدّروبَ المعتمة في بلادٍ غريبةٍ عفّرتْ جباهَهُم بالتّرابِ، استباحَتْ براءتَهم، واغتالت أحلامَهم.
دلفَ أحد المقنّعين بالبزّة السوداءِ وربطة العنق الحمراء، تجاوز اعتراض المعلمة ، وطفق يحدّقُ في وجوهِ صِبيةٍ يسكن الرّعبُ قلوبَهم، ويتدفّق الغضبُ والمرارُ من عيونهم.
أشار بإصبعه: أنتَ..... أنتِ... لبّى الأطفال الأوامر. تقاربوا يحتمون بضعفهم من خفايا الغرباء ونظرات الزملاء المحذرة سهام نارية تؤجج ذعرهم. خرجوا يتدافعون و المعلِِمة تسعى لتدوين أسمائهم ، وذاك المقنّع يبتسم هازئا من حرصها على أطفال لا تأبهُ بأرواحهم ولا حتى جمعيات الرّفق بالحيوان.
الخوف يشلّ الإرادة و القطيع الصغير يهرول أمام المسؤول الذي يوجّههم من نافذة سيّارته، وتتسارع الأرجل إلى أقدار أصحابها، والرّعب مارد يطبقُ على الصّدرِ، ويلجمُ الرّغبةَ بالسؤال إلى أين؟
يتعثّر عليٌّ فعيناهُ تعجزان عن الرّؤيةِ السليمة بعد إصابته بشظية غبية ، يكبّ في الأرض الموحلة ، تسرع عائشةُ لتغسل يديه بماء الحفرة يسألها فزعاً: هل تشاجر أبي مع أحد رجال الدّرك فاعتقلوه؟ تجفّف أصابعَه بطرفِ ثوبها بيُمناها بعد أن دفنت في أرض الوطن يُسراها.
وتسأله: هل دعسَتْ أمّي أقدامُ المتزاحمين أمام سيّارةِ معونةٍ؟
تغوصُ قدمُ زينب في الوحل، تعجز عن رفع بقايا حذائها. ترفع يديها مستنجدةً فقد فجّرت قذائف الحرب غشاء أذنيها، و تمزّقت حبالها الصّوتية ، فيخفّ عمرُ لنجدتها يناولها الحذاء، تسأله بإشارة يديها و ما تبقى من صوتها: هل احترقت خيمتنا بمن فيها ، وسأبقى وحيدة؟
يمسح يديه المتسختين بسرواله فقدْ فاتَهُ الدّرس، وستقف أختُه مع أمّه لتبيع الشّاي في الشارع: ضغط بأسنانه على شفته: ربما هربت أختي مع ذاك الشّاب المخنّث الذي يتباهى بزيارة المخيم راكبا سيارته الفخمة.
يطول طريق المجهول. وتقصّر عن الرّكب سعادُ التي فارقها السّعد يوم انهار بيتهم فوق أهلها وجرّتها يد غريبة لتجد جيرانَ الوطنِ أهلا في غربة ذليلة عنوانها خيمة بحروف غربية الناطقون بها أوغاد دمّروا الوطن ، وسخروا من بسطائه بخيمة ووعود كاذبة. تجذبها فاطمة من يدها فتسألها: هل سيبيعوننا قطع تبديل كما تقول الخالة؟ ترتجف، وتصطكّ أسنانها، وتهاجمها نوبة الخوف الجنونية : هل سنُطرد من المخيّم وتأكلنا الكلاب المسعورة؟
وقف اللاهثون أمام عربة غريبة، وصرخ بهم المسؤول: اصطفاف... قف. نفذوا بسرعة فكسب رضا السادة يجبر الصّغار والعبيد على الانصياع حفظا على ما تبقى من إنسانية ، خوفا من عقاب، شعاع أمل بمكسب جديد.
أطلت من نافذة السيارة سيّدة حادة المزاج بعينيها الزرقاوين وشعرها الأشقر و بإشارة من إصبعها وكلمات عربية ركيكة أمرته أن يدخلهم، تصايحوا فزعاً. ضحكت باستخفاف متحدّية ما يقولونه أمام عدسات المصورين في المؤتمرات عن حقوق الطفل وكرامة الإنسان.
يصعد الطفل عنوة حيث تتناوله أيدٍ غريبة بحمام رأس سريع وملابس جديدة، وشَعرٍ يحرص الحلاق على أن يكون أشعث معطّرا.
انتهت حفلة النّظافة. وأعادوهم بسرعة بين رفاقهم مُكلَّفين بالالتفاف حول وفود عطورها باريسية حرصا على أنوفهم من رائحة الجوع... ، من رائحة الإهمال...، من رائحة عفونة فرضها البشر على بشر. دخل الكثير من الرجال المقنّعين بالبزّات الرسمية، بابتسامات جوفاء يمثلون الأمم اللاإنسانية، حرصوا على التقاط صور تذكارية تمجّد دوافعهم الخيرية في مسرحيّة ضحاياها أطفال المخيم.