قلبَتْ جيبها الفارغ، وبسطت كفّها، وعيونها ترقب الأجساد المتزاحمة على الحصير تحت الغطاء الرّقيق في شتاءٍ أصرّ على استعراضِ ممتلكاته أمام إنسان منكوب في بلد يذبحه الابن والأخ، يمزّق القاصي والدّاني طرقات الوصول إلى برّ يمكن فيه العيش للبشر.
تعبت كفّها الممدودة. أنزلتها، ورفعت الأخرى وشفتاها المتلاحمتان تحرصان ألا تلدا كلمة توقظ الصّغار، وتطيل عليهم ساعات النهار، ففي مدرسة الإيواء يترنّح الأسى. يندر وجود الآباء. يكثر الأولاد. يعلو الشّجار و صراخ الأمهات. ويأبى الوقت أن يجدّ المسير.
قام عن فطوره متمهلاً ولقمته الجافة في فمه لم تدفعها كأس شاي، وعينه مصوّبة على ركن المطبخ: أوعية فارغة. مسامير الحائط تشكو العريّ بعد أن ألبسوا الأطفال كلّ ما حصلوا عليه من ملابس جاد بها أهل البرّ والإحسان في أيّام زلزال حرمت الغنيّ أملاكه، ونزعت من الفقير لقمته، وفتحت أبوابا وأبواباً لتجّار الحروب والأزمات كي يتنعموا بقوتٍ جلّه مسلوب من فم الصّغار والنّساء.
باستخفافٍ تناول سرواله الذي يتحدّى به برد الشّتاء وقيظ الصّيف. لبس قميصه الذي غابت ألوانه تحت سياط الشّمس وقطرات المطر.
تصفَعُ رجولته كفّها الخشنة التي مارست بها أعمال التّنظيف في بيوت لا تعرفها، تلسع أبوته شهقات سعال الصّغار، تجبره على الخروج من ذاته لكنه يمسك لسانه ، ويحرص على ألا يزعج شروق الشّمس بالسّباب والشّتائم.
تقطّب جبينه وهو يتناول كيساً حرّم على أحد الاقتراب منه، فتحه بأناة وغمامة أسى تسعى لاحتلال جبينه. بأنامل خشبية أخرج صُرّةً صغيرة لم تسعفها ذاكرة الشّتات أن تتذكّر متى رأت شبيهة لها بألوان زاهية. بأنامل مرتجفة أخرج منها محفظة تعرفها. أشرق الأمل في نظراتها، وضعها على قلبه هي كلّ ما تركه الوالد الذي كان يركض معهم على درب الهروب من الموت . والده العجوز الحكيم الذي كان يبشره بانتهاء الأزمة، ويوصيه ألا يخاف من العريّ ومن الجوع معه مدّخراته وأساور زوجته التي قتلها الخوف مذ سمعت طبول الحرب تقرع.
والده الذي كان يحمس أحفاده وكنّته على الرّكض، ويعدهم أنه سيلحق بهم ، لكنه لم يفِ بوعده، رمته رصاصة قاتل لا ثأر بينهما. لا انتصار يقطفه من قتل صغار وعجائز إلا ضحكات العار. عاد إليه برجله العرجاء، احتضنه، أشار العجوز وهو يرفع إصبع الشّهادة إلى جيبه، وأغمض عينيه. نفّذ له ما أراد، أخذ منديله بعد أن روّاه بدمه، ولفّ به محفظة هي كلّ ما تبقّى من كبار الدّار. بيديه احتفر له الأرض، بكفيه سلّم الجسد الدّافئ للتراب، صلّى عليه، والرّوح المحلّقة ترعى الرّاكضين في طريق البوار. نسي أن يترك حجراً تشير إليه، قربه دفنَ صديقه ابنته، وغير بعيد دفن الجيران أمهم. يا لهذا الوطن ! كلّ أرض فيه صارت مقبرة.
تنّهد لذكرياته ودمعت عينه فالوالد الحنون حرص طيلة عمره على رعايته، وهو الآن محتاج إلى ذلك الإرث. وعذراً منك يا أبتاه! يجب أن أنفق المال على الصّغار. فتح الحفظة، جحظت عيناه، لطم وجهه بكفّه ، واجتاحته عاصفة من ضحك البكاء فثروة الأب التي منحته الأمل والطمأنينة لأيام طويلة لم تكن إلا ورقاً من صحف قديمة بين ورقتي نقد، وأساور من معدن رخيص.