من الناس من يحمل نفساً مُظلمة وقلباً أسود لا يعرف للعفو طريقاً ولا للصفح سبيلاً ويحقد على من يسيء إليه ولا يكاد ينسى إساءته فتجده يتربص بصاحبه ليشفي غيظه ويروي غليله وهذه من صفات النفس الحاقدة قال تعالى:
(ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) «سورة البقرة، الآيتان 204 - 205».
وقال عز وجل:
(ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين)
«سورة الحجر، الآيتان 47 - 48».
وتقول الدكتورة آمنة نصير - الأستاذ بجامعة الأزهر: لم يرد لفظ الحقد في القرآن الكريم صراحة وإنما ورد بمعناه الغل قال تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل) «سورة الأعراف، آية 43»، يقول الإمام الرازي في تفسير هذه الآية الغل الحقد الذي يدخل القلب ويصل بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة والمراد أن الله تعالى أزال الأحقاد التي كانت في نفوس بعض الناس في دار الدنيا ومعنى نزع الغل: أي تصفية الطباع وإسقاط الوسواس ومنعها من أن تطبع على القلوب وفي هذا قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لإني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: «ونزعنا ما في صدورهم من غل». وقال بعض العلماء: المراد بالغل في هذه الآية أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان في الإنسان فالله تعالى: أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة الأدنى في الجنة لا يحسد صاحب الدرجة الأعلى فيها.


أهل الجنة
وقال القرطبي: ذكر الله عز وجل في هذه الآية ما ينعم به على أهل الجنة وهو نزع الغل والحقد الكامن في صدورهم.

وقال السعدي: هذا من كرم وإحسان الله على أهل الجنة أن زال الغل الذي كان موجوداً في قلوبهم والتنافس الذي بينهم حتى يكونوا إخواناً متحابين وأخلاء متصافين ويخلق الله لهم من الكرامة ما يحصل لهم من الفرحة والسرور والنعيم وبهذا يأمنون من التحاسد والتباغض بعد انعدام أسبابه.
ولما كانت الجنة دار سعادة ونعيم شامل كان أصحابها مبرأين من كل حقد وغل ومن كل علة خلقية تسبب لهم آلاماً وكدراً ووصف الله أهل دار النعيم يوم القيامة بأنهم مبرأون من كل غل وما كان من غل في صدورهم في الدنيا فإن الله ينزعه منها متى دخلوا الجنة.



وقال تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) «سورة الحشر، الآية 10» جاء في

تفسير السعدي أن هذا دعاء شامل لجميع المؤمنين السابقين من الصحابة ومن قبلهم ومن بعدهم وهذا من فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض ويدعو بعضهم لبعض والنفس الحاقدة تتصف بعداوة القلب والحقد محرم بين المؤمنين لأنه يشيع الكراهية بين الناس وله نتائج خطيرة على المسلم والمجتمع الإسلامي ومنها الحسد الذي يجعل الحاقد يتمنى زوال النعمة عن أخيه المسلم فيحزن بنعمة الله على الآخرين ويفرح بمصيبة أصابتهم ويشمت بما أصابهم من البلاء ويتكلم الحاقد في حق المحقود عليه بما لا يحل من كذب ونميمة وغيبة ويفشى سره ويهتك ستره ويعتدي عليه ويمنعه حقده من قضاء الدين وصلة الأرحام ورد المظالم.

أهل الضغائن
وتحدثت السنة النبوية عن النفس الحاقدة، عن جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


«تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فمن مستغفر فيغفر له ومن تائب فيتاب عليه ويرد أهل الضغائن بضغائنهم حتى يتوبوا»،

والضغائن الأحقاد. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم «ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن فإن الله يغفر له ما سوى ذلك لمن يشاء من مات لا يشرك بالله شيئاً ولم يكن ساحراً يتبع السحرة ولم يحقد على أخيه»

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر»، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: «قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان قيل صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد.
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «كنا جلوساً مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي تبعه عبد الله بن عمرو وبات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى صلاة الفجر قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لك ثلاث مرات: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت المرات الثلاث فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك فأقتدي بك فلم أرك عملت كبير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك.

طريق الإخلاص
إن النفس التي تتحرر من رق الهوى وبواعث الرياء هي التي تسير في طريق الإخلاص مطمئنة بالإيمان متأدبة بحكمة الإسلام منقادة لمواعظه الحسنة وتعيش صادقة مع ربها بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ورعاية حدوده والرضاء بقضائه وحسن الأدب معه وكثرة ذكره وتعداد نعمه مع سلامة القلب من الاعتراض على الأقدار وابتغاء الأجر من العفو الغفار المسبب الأقدار ومن ابتغى رضاه وجده وكان الله في عونه وكفاه شر خلقه ومن التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس.