• ×
  • تسجيل

الأحد 11 ديسمبر 2016 اخر تحديث : أمس

تجميد المساعدات لمصر حسابات خاطئة وفقدان النفوذ

كتب د. سليم محمد الزعنون دكتور العلاقات الدولية في جامعة الأزهر

بواسطة : admin
 0  0  195
تجميد المساعدات لمصر حسابات خاطئة وفقدان النفوذ
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 من غير الممكن فهم وتفسير إعلان الولايات المتحدة حجب جزء من مساعداتها السنوية المقدمة لمصر بمعزل عن الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تمر بها؛ فهو يقدم حلولاً لهذه الأزمات على المدى المنظور، ولكن يفقدها نفوذها وتأثيرها في المنطقة على المدى البعيد.
على الصعيد الاقتصادي تعاني الولايات المتحدة الأمريكية أزمة اقتصادية، تتمثل في ارتفاع مديونيتها إلى 16,7 تريليون دولار، الأمر الذي أجبرها على تقليص الخدمات الصحية والاجتماعية على المستوى الداخلي، أثراً لذلك تتجه لتقليص حجم المساعدات التي تقدمها للبلدان الأخرى بما في ذلك مصر، وعلى المستوى السياسي تواجه أزمة مركبة تتمثل في تحدي المؤسسة العسكرية المصرية؛ والدفاع عن منظومة القييم التي تتبناها؛ ففي سياق الأولى رفض الجيش طلب واشنطن بألا يقوم بعزل مرسى؛ ورفض طلبها بعدم فض اعتصام الإخوان بالقوة، في هذا السياق يمثل حجب جزء من المعونة رسالة للمؤسسة العسكرية من جانب؛ وبادرة رمزية بإسم حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية في هذا الجزء المهم من العالم من جانب آخر.
غير أن حجب جزء من المعونات سيكلف واشنطن فقدان قدر كبير من تأثيرها ونفوذها في المنطقة العربية؛ دون تحقيق أي مكاسب على المستوى الجيواستراتيجي أو تدعيم الديمقراطية في المنطقة.
فعملية حجب جزء من المساعدة السنوية لن يغير شيئاً من حسابات الدولة المصرية؛ لعدة اعتبارات: أضحت المعركة مع تنظيم الإخوان معركة وجودية؛ كما أن الجزء الاقتصادى فى المعونة الأمريكية ليس كبيراً 250 مليون دولار؛ فهي لا تتناسب مع حجم الناتج المحلي، وتعتبر ضئيلة جدًا وليست مؤثرة علي الإطلاق، بينما المساعدات العسكرية تأتي في صورة أسلحة وقطع الغيار وليست في صورة منح نقدية.
وتؤشر تجربة التاريخ إلى أن قطع المساعدات عن مصر يوفر حافزاً باتجاه العمل ودوران عجلة الانتاج والبحث عن مصادر بديلة؛ فعندما ضغطت الولايات المتحدة على البنك الدولى لوقف تمويل بناء السد العالى قام الرئيس جمال عبد الناصر بالبحث عن مصادر تمويل أخرى ونجح فى ذلك.
وفقاً لهذا المنظور فإن حجب المساعدات يدفع مصر باتجاه البحث عن بدائل بما يفتح الباب أمام القوى الصاعدة في النظام الدولى لملئ الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة وتشكيل البديل سواء في الجانب العسكري أو الدعم الاقتصادي، ويمثل فرصة بالنسبة لمصر لتنويع مصادر سلاحها من الصين وروسيا؛ خاصةً بعد تصريحاتما بعدم ممانعتها من توريد الأسلحة لمصر؛ بما يمهد الطريق لعودة التحالف المصري الروسي وما يحمله من هواجس للولايات المتحدة لعودة غريمها التقليدى «الاتحاد السوفيتى»، أو التقارب المصرى الصينى وهو ما سيضر المصالح الأمريكية.
وعلى صعيد الدعم الاقتصادي تعمل السعودية والإمارات والكويت على ملئ الفراغ التي تركته الولايات المتحدة بتقديم بـ 3 مليار دولار ما يشكل ثلاث أضعاف المساعدة الأمريكية؛ وميزة هذا الدعم بأنه غير مشروط على عكس المعونة الأمريكية.
ومن جانب آخر سيترك حجب المساعدات أثراً على الإتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية "كامب ديفيد"، باعتبار أن المساعدات تأتي في إطار الاتفاقية، فالإخلال بأحد بنود الاتفاقية يُعتبر إخلالاً بالاتفاقية برمتها، ومن ثم يكون لمصر الحرية الكاملة فى التحرك واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية أمنها القومى، وكذلك إمكانية طلب تعديل الاتفاقية أو إلغاؤها، اضافة إلى أنها ستدفع القاهرة لإعادة النظر في بعض الاتفاقيات مع الولايات المتحدة والتى من بينها مرور السفن الأمريكية عبر قناة السويس.
كما أن عملية حجب المساعدات تأتي إطار دعم جماعة الإخوان المسلمين وانصارها؛ بهدف الحفاظ على بقائهم؛ والضغط على الدولة من أجل السماح للجماعة بالعودة لممارسة العمل السياسي؛ بما يشجع الجماعة على الاستمرار في استخدام العنف وتكثيف جهودها للعودة إلى السلطة؛ وفي ظل ما تشهده مصر من أحداث من طرف الإخوان؛ فإن ذلك سوف يزيد من مشاعر العداء للولايات المتحدة في المنطقة العربية بشكل عام ومصر بشكل خاص، ويساهم في حشد الرأى العام لدعم الجيش والسيسى الذى يواجه ضغوطا من بعض الأنصار للترشح للرئاسة خلال الفترة القادمة.
والمحصلة لو جاء قرار حجب المساعدات بمجرد سقوط حكم الإخوان لكان متسقاً مع منظومة القيّم التي تدافع عنها الولايات المتحدة؛ ولكن أن ياتي الأن فإنه يفتقر إلي المنطق ويبعد عن حسن السياسه، ويمهد الطريق لخسارتها للأهمية الاستراتيجية التي تتمتع بها مصر باعتبارها دولة محورية فى الشرق الأوسط وقلب الوطن العربى، والمدخل للقارة الأفريقية، بالإضافة لوزنها الدولى؛ ويمهد الطريق لتقليص نفوذها وتأثيرها في المنطقة الذي يشهد تراجعاً بالأساس؛ لصالح القوى الصاعدة الصين/روسيا التي تسعى لإعادة هيكلة النظام الدولي.

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )