• ×
  • تسجيل

الإثنين 5 ديسمبر 2016 اخر تحديث : أمس

الطغاة مفاتيح الغزاة

بقلم: حسن الوزّان

بواسطة : admin
 0  0  150
 الطغاة مفاتيح الغزاة
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 لم يُجِد النظام السوري يوماً في تعامله مع الأزمات الوجودية سوى الاعتماد على عامل الوقت الكفيل بتغيير موازين القوى بينما يتشبّث في موقعه، لكنّه خاب هذه المرة في مواجهة شعبه الذي لم يترك طريقةً يجرّبها في قمعه إلّا و استخدمها، كان آخرها مجزرة الغوطة الكيماوية التي إن لم يكن فاعلها المباشر كما يدّعي فهو بالضرورة منطقياً و قانونياً المسؤول عن حصولها و المستحق للمساءلة عنها.



و يبدو أنّ النظام لم يتوقع ردة فعلٍ واسعة بهذا الشكل بعد أن وصل عدد ضحاياه بعد سنتين و نصف من عمر الثورة إلى 100 ضعف عدد شهداء هذه المجزرة الأخيرة، كان خلال هذا الوقت يختبر قدرة المجتمع الدولي على تحمّل القتل المتزايد في سوريا، لكنه غفل عن عوامل أهم بالنسبة لهذا المجتمع منها الحفاظ على قدرته في ردع الخارجين عن قراره حرصاً على الاستقرار الهش عالمياً، و كذلك لمنع توسع المشهد السوري بما قد يؤثر على الدول المجاورة و خصوصاً إسرائيل.

لو تجاهلنا الناحية السياسية في صعوبة تمرير قرار دولي بمعاقبة النظام بضربةٍ عسكرية تهدد مصالح روسيا التي اتخذت من سوريا مشروع عودتها إلى المنطقة، و كذلك التهديد الجدّي الذي ستبديه إيران حيث سيقترب من حدود مشروعها الإقليمي و قوتها النووية، ناهيك عن حزب الله الذي سيفضّل أن يُمحى في مواجهة شاملة مع إسرائيل مهما تكن نتائجها على أن ينتظر مصيره دون مقاومة، فإنّ تسلسل الأحداث المرتقبة ينحصر في الاحتمالات التالية مرتبةً من الأقل إلى الأكثر احتمالاً:

5- تراجع الحلف الأميركي الغربي عن القيام بأيّ عملٍ عسكري، خاصة في ظلّ معارضة شعوبهم للتورّط و إعادة سيناريو العراق الذي كلّفهم الكثير من حياة جنودهم و أموال ضرائبهم، و خشية تفعيل حربٍ إقليمية واسعة تهدّد مصالحهم الاقتصاديّة برمّتها و تهدّد الاستقرار القلق لحدود إسرائيل. يُستبعد هذا الاحتمال في ضوء التصريحات و التحرّكات العسكريّة التي تشهدها المنطقة لا سيّما في البحر المتوسّط، و لأنّه سيُترجم دوليّاً كانتصار مهم للحلف الصيني الروسي في مواجهة الغرب و بما يطلق له العنان في فرض سياسته ليس في المنطقة فحسب، بل في التوسّع الاستراتيجي سياسيّاً و اقتصاديّاً و بما لا يشكّل الموضوع السوري فيه سوى مفصلاً صغيراً في هيكله، و سيتلوه تثبيت أقدام إيران في المنطقة على حساب الحلفاء الخليجيين و بما يكسر دفّة التوازن العالمي. في هذه الحالة سيقوم النظام بترجمة هذا الانسحاب بـ (خلصت) كاسحة و فشل المؤامرة الكونيّة التي ستصنّفه كدولة مارقة غير مرغوبة يتم مقاطعتها على النمط الكوبي، بحيث يتصرف كما يحلو له ضمن حدوده و ينهي كلّ أشكال معارضته دون هوادة و التي ستنتهي بين موتى و معتقلين و منفيّين، مع هروب الآلاف سنوياً لينضمّوا إلى ملايين اللاجئين السورييّن الذين سيشكّلون عبئاً متزايداً على الدول المجاورة، و هو عاملٌ آخر يؤخذ في حسبان تضاؤل وقوع هذا الاحتمال.

4- تفعيل الخيار اليوغسلافي، و الذي يقوم أساساً على انتظار انهيار الدولة داخلياً عبر السماح للنظام بارتكاب مجازر و تدمير ذاتي للبنى التحتيّة قبل أن تقوم بحجّة "الوازع الأخلاقي" بإزاحته عبر عمليّة عسكريّة واسعة ترسّخ التقسيم بما يضمن مصالح هذه الدول. استبعاد هذا الاحتمال لا يعتمد على التطمينات التي يقولها السياسيّون الفاعلون إذ غالباً ما تخفي هذه عكس ما تطرحه، لكن في الحقيقة فإنّ الظرف مختلف تماماً، إذ أنّ سوريا ليست في قلب أوروبا و بما يستلزم إطفاء حريقها بأسرع ما يمكن، و رغم أنّ التقسيم هو الهدف الأمثل للمصالح الأميركية و الإسرائيليّة و تمهيداً لإعادة ترتيب كامل المنطقة بما يضمن لهما السيطرة المطلقة، إلّا أنّ لا طاقة لأحد على احتمال التكاليف و النتائج المترتّبة على هذه العملية، سواءً للاعتبارات السياسيّة التي ستطيح بالحزب الحاكم الذي سمح بحصولها و توريط بلاده في حربٍ غير مجدية، أو بردة الفعل الروسيّة التي لا يمكن الرّكون لظاهرها أو الرشقات الصاروخية الإيرانيّة و من جنوب لبنان. في هذه الحالة لا يبقى شيءٌ من الثورة، و لا يبقى لها وطنٌ قامت لأجله.

3- الانقلاب الداخلي ضمن النظام بضمانة روسية، و إعلان محاسبة المتورّطين المباشرين في مجزرة الغوطة الكيماوية قبل البدء بترتيب عملية الانتقال السلمي "الوطنيّة" عبر الحكومة الانتقاليّة و دون تغيير جذري لبنية النظام مع منح المعارضة حصتها من الكعكة دون العبء بتضحيات الشعب. هكذا انقلاب هو الورقة الأخيرة التي تحتفظ بها روسيا منذ زمن إلى حين تقبض الثمن الذي يناسبها في صفقتها مع الأميركان، و هو ما قد يفسّر الموقف الروسي المعلن من عدم التدخّل فيما لو حدثت الضربة العسكريّة إضافةً إلى الكشف عن عدم وجود اتفاقية دفاع مشترك مع إيران فيما بدا كما لو كان تهرّباً من المواجهة المرتقبة. بخلاف النظرة الشعبويّة التي ترى في المؤسسة العسكرية جيشاً عقائديّاً مقدّساً، لا يختلف جيش النظام كثيراً عن كتائب الجيش الحر من حيث الولاء المختلف حسب الجهة الداعمة له، و كلامي هنا على مستوى القيادات العليا من ضبّاط الصفّ الأوّل و الثاني حيث تنسّق الكثير منها مع دولٍ مختلفة أهمها أميركا و روسيا و فرنسا، و رغم أنّ اللعب على المكشوف منذ أيّام الأسد الأب و بعلمه و تنسيقه حرصاً على التوازن بين الأقطاب العالمية (ثنائية الشهابي طلاس نموذجاً)، إلّا أنّ ضعف خبرة الرئيس الحالي العسكريّة و عدم وصول اندماجه ضمنها إلى المستوى المطلوب أخرج كثيراً من خيوط اللعبة من يده و خصوصاً بعد الثورة، و نتيجة عدم إمكان الركون إلى المشورات الداخليّة التي ثبت فشلها في اعتماد الحلّ الأمني و إنجاحه في القضاء على إرادة الشعب، بل و ظهرت عقابيل خطيرة منها تفجير خليّة الأزمة الذي عكس انهياراً خطيراً على الصعيد الداخلي للبيت الحاكم، تسلّم الخبراء الروس الدفّة و بما جعل لهم اليد الطولى في كل القرارات العسكرية و السياسية و حتى الإعلامية. يفهم الروس تماماً أنّ النظام قد انتهى منذ زمن، و أنّ مسألة الحفاظ على هيكله ليست سوى شكليّة في انتظار الفرصة المواتية، و عندما تحين اللحظة سيتم تغييب رأس الهرم عن المشهد، إمّا بعملية اغتيال حقيقيّة أو مفبركة أو عبر عملية انقلاب داخلي من ضمن المؤسسة التي حرصت إعلامياً على نقل قوة التأييد الشعبي لشخص الرئيس إليها بصفتها جامعة للمكونات السوريّة، و بما يسهّل عليها مهمتها بعد إسباغ صفة القداسة على قراراتها من قبل و من بعد.

2- أرجح الخيارات هو الضربة العسكرية المحدودة و حسب التعبير الأميركي (التأديبية) و التي حسب تصريحات أوباما شخصياً لا تتضمن تغيير النظام و إنّما عقابه على إحراج المجتمع الدولي بتعدّيه على خطٍّ أحمر كان يمكن له أن يتفاداه لو تابع استخدام القذائف و الصواريخ أو حتّى الذبح بالسكاكين مهما بلغ عدد الضحايا! و أمّا عمليّاً فهذه العمليّة تهدف إلى تقليم أظافر القوة الردعيّة التي في يد سوريا و التي كانت تدفع أعداءها للتفكير مراراً قبل اقتحام حرب إقليمية واسعة، فيتم تدمير مخازن السلاح النوعي بحيث لا يمكن لخلف النظام أيّاً يكن أن يهدّد أمن إسرائيل. هذا الخيار حقيقةً هو أسوأ ما يمكن أن يحدث للثورة، فهو يماثل وضع العراق إبّان حرب الخليج الثانية عندما قام صدّام حسين بسحق كل أصوات المعارضة الشعبيّة بحجّة عمالتها للعدو و حيث يصبح كل من يقف ضد النظام خائناً يُهدر دمه. نعلم ما حدث بعد ذلك: حصار طويل الأمد حد إنهاك كل روحٍ للأمل، فيدراليّة للدولة تنتهي في المستقبل بتقسيمٍ فعلي، انهيار اقتصادي شامل و موتٌ بطيء للناس بينما الطاغية يتنقّل بين قصوره مؤكداً اندحار الغزاة على أسوار الوطن قبل أن نرى دباباتهم تجول في شوارع البلاد المنهوبة و المقتتلة داخلياً.

1- يبقى أسلم الحلول لجميع المتورطين و هو كون ما يحدث ليس سوى حرباً نفسية إعلامية تهدف إلى تسريع عملية إنهاء الثورة عبر إجبار النظام على القدوم إلى جنيف 2 و بالطبع إذعان المعارضة السياسية المشتتة للجلوس معه على طاولة المفاوضات التي ستستمر فترةً طويلة كافية لإنهاك المتقاتلين العسكريين مع تجاهلٍ تام للضحايا السابقين و اللاحقين من المدنيين، و تنتهي أيضاً وفق الخطة الروسية إلى تقاسم الكعكة دون تغيير جذري لبنية النظام و تحافظ على المصالح الدولية المختلفة و خاصة لحلفاء النظام الحاليين.

كما نرى فإنّ جميع الخيارات المطروحة تهدّد الثورة إمّا بالقضاء عليها تماماً أو بإنهاكها و إسباغ اليأس القاتل على نفوس شعبها عندما يدركون كم دمهم رخيص في بورصة المصالح الدولية التي لا تبالي بدمنا و مستقبلنا. هل هذا يعني أنّ كلّ ما يجري هو في صالح النظام؟ بالطبع لا، لكنه هو أيضاً خاسر في جميع الأحوال منذ بدأت الثورة، و هو يدافع عن وجوده في وجه تغييرٍ شامل لا يكفيه بعض الإصلاحات الوهمية، و يدرك أنّه إما أن يحتفظ بكامل السلطة أو سيندحر إلى الأبد.

ذاك المصير الذي ينتظرنا جميعاً مؤيدين و معارضين، مستقبل في "أفضل أحواله" كما كوبا أو كوريا الشمالية، مع باقة خيارات أخرى تتنوع من يوغسلافيا السابقة إلى العراق أو حتى مصر أو لبنان. ليست تلك سوريا التي نحب، سوريا التي لا تستحق منّا كلّ هذا العقوق و الولوغ فيه. يوماً ما سيرحل النظام دون أثر و تبقى سوريا، و ستنتهي الثورة التي قامت لأجلها و تبقى هي، و سنبقى نحن، و سيسألنا أولادنا هل حقّاً رضينا بنار الغريب و قد اكتوينا بنار القريب!؟ و سيسألنا أولادنا ألم يكن منّا رجلٌ رشيد يمنع أن تتكرر مأساة طاغية اسمه صدّام حسين بقي سبباً للاختلاف بين أبناء شعبه حتى بعد موته!؟

يُفترض بنا أن ننشد الحل في من لا يزال يدّعي الشرعية و تمثيله لمصلحة البلاد، و بدلاً من أن يخرج أبواقه على الشاشات مقلّدين نموذجاً بائساً للصحّاف عن اندحار الغزاة على أسوارنا، فالأولى به أن يخرج علينا و يقول: لقد حصلت جريمة (متناسياً كل الجرائم السابقة خلال عقود و على الأخص خلال العامين و نصف الماضية) بحق مواطنين سوريين، و نحن الأجدر بالتحقيق فيها و كشف جناتها، هؤلاء هم .. أيّاً كانوا، ضبّاط غير ملتزمون بالأوامر أو إرهابيّون معتدون .. و قد عجزنا عن منع هذه الجريمة أو محاسبتهم، و لهذا نعلن تسليم السلطة إلى من هو أكثر كفاءة و قدرة على انتشال سوريا من محنتها بعملية انتقال ديمقراطي حقيقية، و نعلن عبر قيادة جيشٍ وطنية عن هدنة مع كتائب الجيش الحر تقوم على وقف القتال بل و الدفاع المشترك في وجه المحتل الأجنبي و من بعده قوات المتطرفين من جبهة النصرة و داعش، يتلو ذلك ترتيبات جادة لإعادة ترتيب البيت الداخلي بحيث يعود الأمر كاملاً إلى السوريين وحدهم ليقرروا مسار الأمور و كيفية الانتقال السلس للسلطة.

و يُفترض بنا أن نأمل مّمن قام لأجل الوطن و أهله، فيقوم حراك ٌ سياسي فعّال لمنع استخدام أسلحة فتّاكة تتضمن غبار اليورانيوم (مرّةً أخرى كما حدث في العراق) و بما يقضي على أجيالنا التي لم تولد بعد و تبيدنا دون تمييز، و يدفع باتّجاه الضغط السياسي لوقف الدّعم التام عن النظام و بما سيحدّه دون الحاجة إلى هذا التدخّل العسكري الذي سيقتلنا دون تمييز. أن تعلن كتائب الجيش الحر عن استعدادها لهدنة مشروطة يقوم خلالها النظام بإطلاق سراح جميع المعتقلين، و التنسيق بين الطرفين للدفاع ضد الأجنبي سواءً المتواجد مسبقاً على الأرض السورية أو من يستعد للاعتداء عليها (فيما لو حصلت الضربة)، يتلو ذلك مؤتمر شامل يغني السوريين عن جنيف 1و2 و كل اتفاقيات العالم المتفرّج على موتنا، يضع خارطةً مفصّلة لمستقبل البلاد تقوم أساساً على مبدأ العدالة و المحاسبة و المواطنة.

ليس ما ذكرت من حلول بمستحيل، لقد كان المستحيل أن يحصل لوطننا كلّ ذلك .. و إن حصل المستحيل مرّة، فيمكن أن يحدث مرّةً أخرى، و للأفضل.

لا تتركوا أمورنا لسفهائنا، فنصبح محل تفاوضٍ رخيص بين بو علي بوتين و بو حسين أوباما ، عندها يصح المثل القائل إن " الطغاة مفاتيح الغزاة".


التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )