• ×
  • تسجيل

السبت 10 ديسمبر 2016 اخر تحديث : أمس

دولة الاخطاء

دولة الاخطاء .. بقلم: عبد الرحمن الاتاسي

بواسطة : admin
 0  0  180
دولة الاخطاء
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 قبل بداية الاحداث لم يكن احد لينكر بان النظام ارتكب كثير من الاخطاء ، وبعد الازمة ايضا كل مؤيدي النظام يستخدمون عبارة "نعم لدينا اخطاؤنا" لتبرير الفشل الحاصل في كل محاور الحياة في سوريا.

طبعا هذا الاعتراف لم يكن ( ولن يكون على ما يبدو ) اعتراف "الندامة" التي تحتم العمل لعدم الوقوع بالخطأ ، وانما يستخدم لارتكاب المزيد من الاخطاء ، حتى انه يمكن القول بان "ارتكاب الاخطاء" اصبح"نهجا" للحكم وادارة البلد .
فاذا تراجع مستوى دخل الفرد نقول "اخطاء" واذا تراجعت الحريات العامة نقول "اخطاء" ، واذا اهينت كرامة المواطن .. "اخطاء " .. و السبب المباشر في اندلاع الاحداث الدموية في سوريا كان بسبب "اخطاء" .. في تلك الحادثة الشهيرة في درعا ..

بات الجميع يعلم بان هناك اخطاء، حتى مؤيديو النظام وعلى صفحاتهم باتوا ينتقدون اليوم بمرارة وحدة تلك الاخطاء التي لم تعد مقبولة حتى بالنسبة لهم.
ينتقدون ارتفاع سعر الدولار وارتفاع الاسعار واحتكار البضائع وتردي الوضع الامني والانفلات والفوضى ... باتت حالة عدم الرضى واضحة لكل متابع للموالين للنظام.
حتى ان البعض منهم اطلق حملات لانتقاد الاداء في محاور محددة ، منهم من رفع نداءات و"تحذيرات" مبطنة للحد من "تغول" الشبيحة والعناصر الموالية في كثير من المناطق.

وكلنا سمعنا بحملة الاعتقالات التي طالت بعض "الشبيحة" في منطقة جرمانا في دمشق - على سبيل المثال - بعد ان اصبحت "اخطاء" الشبيحة هؤلاء لا تحتمل وكادت ان تقلب المزاج العام في تلك المنطقة المعروفة بميلها للنظام ، عليه ..
أكد لي احد المصادر وهو شخص كان في موقع يسمح له بان يكون مطلعاً على بعض الملفات ، بان بعض الممارسات ضمن اجهزة النظام وطريقة ادارة الازمة باتت غير مقبولة حتى من قبل مؤيدي النظام انفسهم.

ان اهم ما يواجه سوريا اليوم ليس المؤامرة ، بل هي حقيقة تلك المافيا التي تغلغلت وتمكنت من مفاصل البلد وباتت في معظم الاحيان تعمل لمصالحها الضيقة واحيانا تتخذ قراراتها بناءا على منطق تصفية الحسابات.

فلو ان المؤسسات في سوريا كان لديها القدرة على العمل بشكل فاعل لتحقيق هدف واحد وهو حماية البلد، لكنا تجاوزنا الازمة منذ فترة طويلة.
ولكن مع الاسف فان "العصابات" التي باتت تشكل نظام الحاكم في سوريا انفلتت اكثر ، مع تقوض سلطة النظام رويدا رويدا ، وبات من الصعوبة السيطرة عليها.
بحسب المصدر الذي ذكرته فان بعض الاجهزة الامنية اليوم تعمل وفق اجنداتها الخاصة التي لا تلتزم بالعنوان العريض الذي يجب ان تعمل تحته مؤسسات الدولة وهو "حماية الوطن" ، بل تنحرف كثير من الاحيان وبحسب المصالح الشخصية والعصبية لبعض المتنفذين في السلطة واساطين المال لتنفيذ اجندات خاصة، وهذا يدفع مرة اخرى هذه المؤسسات الوطنية (ومنها الجيش مع الاسف)لارتكاب "الاخطاء" فوق "الاخطاء" وحرف مسار المهام الوطنية الى مهمات قذرة احيانا تصل الى حد الاجرام.

نعم القتال ضد العناصر المتشددة والجماعات الممولة من دول الخليج ومنعهم من تحقيق اهدافهم واجب وهدف سامي ، ولكن هذا لا يعني ان نتمادى في الاخطاء بل ونرتكب في بعض الاحيان اخطاءا اكثر سوءا في نتائجها من اخطاء "الاعداء" ذاتهم.

وخاصة بان هذه الاخطاء باتت تؤثر بشكل كبير على معنويات عناصر الجيش وكل من يقاتل ويدافع عن البلد ويتحمل من اجله.

الم نفكر مثلا كيف سيكون تأثير تجيير المعدات الحديثة والمتطورة لحزب الله ، بينما يتم التقصير بامداد جيشنا بمثل هذه الاسلحة وعندما نتعرض للاعتداء من العدو الحقيقي لا نمتلك القدرة على الرد او الردع ، وهذا ما حصل في تموز الماضي عندما اغارت الطائرات الاسرائيلية على مستودعات الاسلحة في اللاذقية.. في اعتداء بات متكرراً وسط عجز تام لجيشنا على صد او الرد على الهجوم.

مثل هذه المعلومات والتصرفات لم تعد سرا فمن شاهد الدراما السورية خلال شهر رمضان هذه السنة ، يجد انها عكست الى حد كبير هذه الاخطاء في جميع المسلسلات التي تحدثت عن الواقع السوري.
وظهور هذه الممارسات في الدراما يعني بان الامر بات معروفا للجميع ، بان معاناة سورية مستمرة وهذه الممارسات باتت تشكل احد ابرز السلبيات التي يجب ان نتخلص منها.

كان في مقدمة هذه المسلسلات مسلسل "الولادة من الخاصرة" الذي اظهر تلك "الاخطاء" القاتلة في كل المستويات "الامن" ، "المؤسسات" ، وحتى في مؤسسة الجيش ذاتها.
فقد صور المسلسل ( في تطور لافت ) "الاخطاء" حتى في مؤسسة الجيش ، وبيّن الفساد المستشري فيها والذي وصل حتى سرقة طعام الجنود الذين يقاتلون ويخوضون حربهم لحماية البلد.
وذهب المسلسل اكثر من ذلك في تصوير حادثة سمعنا عنها عشرات المرات في واقع الازمة وهي سوء التخطيط واللامبالاة حيال حياة هؤلاء الجنود الذين من المفروض انهم يقدمون حياتهم فداءا للوطن.
فقد تركت مجموعة من الجنود لتقاتل في مكانها بعد ان حوصرت دون أي دعم او امداد حتى قتل اخر جندي فيها برغم عشرات نداءات الاستغاثة التي وجهها الضابط المسؤول والتي قابلها عشرات الوعود بارسال الدعم الذي لم يصل ، وهذا تكرر وحصل مع الاسف مئات المرات في كل المواقع في المحافظات السورية دون وجود اي تبرير مقنع ، او تصحيح في الاداء لتجنب مثل هذه الحوادث المؤسفة التي تذهب بحياة زهرة شبابنا ، في المستقبل.
اذاً الموضوع لم يعد خاف على احد بعد الان ، واكتشف الناس بان "الفساد" ليس مرض نوعي ، بل هو مرض يتفشى في كل اجهزة الدولة ويفتتها ، ولا يمكن ان نمنع هذا الفساد ان يصل الى المؤسسات الوطنية الحساسة مثل مؤسسة الجيش ، فيتم التلاعب بمقدرات هذه المؤسسة الوطنية من طعامها الى الاسلحة التي تصلها ، وهكذا تكون مساهمة الفساد في الاجهاز على هذه المؤسسات اكبر من مساهمة الاعداء انفسهم.
وعندما تنهار المؤسسات تنهار الدولة ، ويصبح لازما لكي تستمر ان نستعين بالدعامات "الخارجية".
فالمؤسسات التي نخر فيها الفساد واتت عليها الاخطاء والدولة الفاشلة التي لم تستطع حماية البلد وحياة مواطنيها بحاجة لايادي من الخارج لتسندها وتبقى قائمة على قيد الحياة.

ولما كان لكل شيء ثمن ، فانه عندما تتدخل دول مثل روسيا وإيران وتكون سببا رئيسيا في بقاء النظام وثبات الحكم وقيام الدولة ، فلن يكون هذا بالمجان.

الدعم الاقتصادي الايراني على سبيل المثال وخطوط الائتمان التي تفتح مع ايران والاتفاقيات الاقتصادية هي طريق باتجاهين ، بمعنى انها تقدم دعم مشروط ، فعلى المدى القريب فان الاموال التي تتلقاها الحكومة السورية مشروطة بان تنفق على شراء البضائع من ايران حصرا ، وايران بالنهاية تدعم اقتصادها بشكل غير مباشر.

سياسيا ستدفع سوريا اثماناً باهظة للغاية قد تصل الى رأس النظام في المستقبل اذا تعارضت سياسة النظام مع اجندات الدول "الداعمة" لهذا النظام اليوم ، وبالتالي اصبحت سوريا دولة تابعة لا صوت لها ولا رؤية ولا مصالح تستطيع الدفاع عنها.

وهكذا يرتهن البلد ليصبح اداة بيد الدول الكبرى ، وتبقى الدولة قائمة مادامت تحقق مصالح هذه الدول ، وتنهار في حالة تضارب المصالح وانسحاب هذه الدول ، بعد ان اصبح بقاء دولتنا بعواملها الذاتية مستحيل.

ومن الطبيعي هنا ان تسعى الدول الداعمة لتحقيق مكاسب تكتيكية واستراتيجية ، وفي الاستثمار في ازمتنا بابخس الاثمان .

فمع وجود دولة فاشلة و نظام ضعيف مهدد في وجوده ، فان روسيا مثلا ، ليست مضطرة اليوم الى تزويدنا بصواريخ اس 300 او أي اسلحة متطورة لتجد لها قدما في سوريا ، يكفي ان تورد لنا بعض القمح او تعطينا بعض القروض ، ربما تصل الى ما تريد من خلال دعم سياسي من تصريح هنا وبيان هناك .
روسيا ليست مضطرة بعد الان لتهديد مصالحها مع اسرائيل والولايات المتحدة بتوريد الاسلحة المتطورة لسوريا، اصبح بامكانها ان "تشتري" باقل من ذلك ، فلماذا تدفع اكثر.

الدولة ذات السيادة يجب ان تكون دولة قوية باقتصادها ولحمة ابنائها واستقلالية مؤسساتها ، اما دولة ينخر فيه الفساد من رأسها ليصل الى جميع اطراف قاعدتها العريضة ، ليس للنظام فيها الا ان يقايض سيادة الدولة ببقائه في الحكم من خلال اطراف خارجية قوية ، قد يختار "البيع" لهذه الدولة او تلك لا فرق .. في النهاية سيصل بالبلاد لكي تكون دولة بلا سيادة ..

بالمختصر لم تعد سوريا من خلال وجود "نهج الاخطاء" دولة ذات سيادة ..

فنحن في مؤسسات الدولة السورية - وعلى رأسها الجيش - لا نستطيع نشكك في وطنية ولا نية من يعمل فيها وواجب علينا الحفاظ عليها وتقويتها ومنعها من الانهيار ، ولكن هذه المؤسسات من خلال "اخطاء" "الكبار"المتكررة والمستمرة وتقديم مصالحهم الضيقة على مصالح الوطن، تنحرف عن مهامها وتتحول في كثير من الاحيان لتصبح سببا رئيسيا في الانهيار.

وهكذا لا يبقى من الامل امامنا الا اصوات الناس التي بدأت تتعالى من كل الاطياف ، هؤلاءالذين يجدون ان بقاء الدولة السورية الامل الوحيد لبقائهم على قيد الحياة ( وهم محقون في رأيي ) ، لا يبقى من الامل الا هؤلاء .. لا يبقى لنا من الامل الى ان تتعالى اصواتنا امام كل الاخطاء في أي موقع كان .. وتصرخ كفى .. لقد ضيعتم البلد .. ولن نسمح لكم بعد الان بفعل ذلك ..

ولمن يقول بان الوقت "غير مناسب" لمثل هذه النقد ، ربما يجب ان يعيد التفكير في هذه "الديباجة" التي وصلت الينا من خلال بروباغندا الفاسدين انفسهم ، وسيصل الى نتيجة اكيدة بان هذا انسب وقت لنقف في وجه كل خطأ او جريمة ترتكب بحق المواطن والوطن كائناً من كان صاحبها.

فـ "الاخطاء" كبرت واصبحت بحجم البلد وزادت عنه .. وقبولنا بهذا "النهج" بعد اليوم يعني اننا قبلنا عن طيب خاطر بتدمير البلد وزوالها .. ولا اعتقد بان سورياً واحداً لديه مثل هذا القبول.

التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )