• ×
  • تسجيل

الأحد 4 ديسمبر 2016 اخر تحديث : أمس

وأد البنات في العصر الحديث

قصص مريرة لـ"وأد البنات" في العصر الحديث

بواسطة : admin
 0  0  499
وأد البنات في العصر الحديث
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم
 من فوق الثرى يخترق صوتُها أعماق الكون؛ لسان حالها يردّد "بأيِّ ذنبٍ قُتلت".. صرخاتُ زهرةٍ يانعة ذَبُلَتْ قبل أوانها، وأنينُ شمسٍ غَرُبَتْ في مقتبل عمرها.. إنها موءُودة العصر الحديث التي اغتالتها موروثاتٌ بائدة؛ جثمت على الفكر الذكوري عقوداً من الزمن، والتي صنفت "الأنثى" على أنها عارٌ يجب التخلُّص منه حتى يعيش الرجل حياةً طاهرةً نقيّةً بعيداً عن "فضيحة الأنثى".

هذا هو حالُ بعض الآباء الذين تجرّدوا من معاني الأبوة وتنكروا لبناتهم ولم يعترفوا بهن، ورفضوا أن يستخرجوا شهادةَ ميلادٍ تثبت حياة ابنة جاءت إلى الدنيا ولا تدري كم المعاناة التي ستعيشها لمجرد أنها وُلِدَت أنثى.

"سبق" تسرد قصصاً مريرة "يشيب لها الولدان"، وتبث الحسرةَ في النفوس عن زهراتٍ أضحى مصيرهُنّ الوأد الاجتماعي بعد أن رفض أولياء أمورهن إخراج شهادة حياة لهن.. وتتساءل: إلى متى ستظل البنت تحمل أوزار أنوثتها في ظل مجتمع منفتح على آفاق التكنولوجيا والعلم؟ وهل حقاً تحتاج الموروثات إلى سلطةٍ قضائية تُعيد تأهيل فكر المجتمع وفق النهج النبوي الراقي "إنما النساء شقائق الرجال".

وأد الجاهلية

"أشعر بطيف ابنتي يرافقني في كل لحظة" بهذه الكلمات المؤثرة وبصوت باكٍ وصفت "أم لمى" معاناتها قائلة: ماتت ابنتي (4 سنوات) بين أحضاني بعد أن رسم الزمان معاناتها على جدار حياتي، وتابعت: مع الأسف تزوجت رجلاً حادَّ الطباع لا يعترف بحقوق المرأة، أذاقني مرارة الأيام، وعندما وهبني الله بنتا، تجرّد زوجي من معاني الأبوة؛ فتنكر لابنته ورفض استخراج شهادة ميلاد لها.

وانهارت باكية عندما تذكرت مرض ابنتها قائلة: أُصيبت ابنتي بالتهابٍ رئوي استدعى دخولها المستشفى، ومع الأسف الشديد لم أستطع معالجتها في المستشفى؛ لأن زوجي لم يضف ابنتي إلى كارت العائلة، توسلت إليه بقلب أمٍّ مقهورة أن يساعدني على علاج ابنتي، بيد أنه ولّى وجهه مستكبراً.

وتابعت: في يومٍ حزينٍ نظرت ابنتي ببراءة متسائلة: أين أبي ألم يشعر بوجودي؟ ورفعت دعوى على طليقي، إلا أن المحكمة انتظرت زوجي حتى يفرغ من عمله الذي لا ينتهي، وظل هكذا الحال أكثر من سنتين، وزوجي ملهيٌّ بأبنائه من زوجته الأخرى، ولا يعلم شيئاً عن ابنتي التي جاءت من صُلبه، وابنتي تتساءل أين أبي؟ لم يدر بخاطري أن نبضات قلبها تحتضر لتودّع دنياي، وكأنها شعرت برفض أبيها لها فأبت أن تعيش في مجتمعٍ رفض إعطاءها شهادة ميلاد.

ابنتي مجهولة

أمينة قالت لـ "سبق": تزوجت منذ ثلاث سنوات من ابن عمومتي، وكان والدي يتوسم فيه الرجولة والشخصية القوية، إلا أن واقع الحال اختلف كثيراً، فمنذ بداية زواجنا وأهل زوجي يتدخلون في كل شؤون حياتي.

بدأ أهل زوجي يشعرون بالقلق بسبب تأخُّر الحمل، وقمت بعمل تحاليل واكتشفت أني حامل وازدادت المشكلات بيننا؛ إلى أن طلقني زوجني ولم يثبت في ورقة الطلاق أني حامل، وقالت: رزقني الله بطفلةٍ جميلةٍ حمدت ربي عليها، وطليقي لم يأته قلبه حتى ليطمئن على مولودته، بل أرسل أبويه.. وعندما عَلِما أنها أنثى ظهرت ملامح الغضب على وجهيهما، ومنذ وقتها إلى الآن مرّ أكثر من عامين وابنتي "مجهولة" غير مقيّدة، ولم أتلق من زوجي أيَّ مبلغٍ يساعدني على العيش وتربية ابنتي.

وتابعت: لا أريد كثيراً فكل أملي أن يعترف طليقي بابنته ويتكفل بمصروفاتها، وتساءلت: أليس من حقي أنا وابنتي أن نعيش حياةً كريمةً دون أن أشعر أني عالة على والدي الذي ضاقت به سُبل الحياة، أم أنه دائماً ما يأتي المجتمع على الطرف الأضعف؟

وسألتها لِمَ لا تستعينين بالقضاء لحل مشكلتك؟ جاءني الرد مخيباً لكل الآمال قائلةً: ذهبت للقاضي أكثر من مرة وشرحت كل ظروفي، وبالفعل اتصلوا بطليقي أكثر من مرة ويعتذر لانشغاله، إلا أن القضاء يقدّر دائماً انشغال الرجل؛ بيد أنه يهمل حق المرأة في الحياة، فدائماً ما يأتيني الرد بالتأجيل إلى أن يأتي الزوج.


ثوب العار

وعبّرت أم أسيل عن أسفها لإهمال زوجها وقالت لـ "سبق": أنجبت ابنتي، وعندما علم زوجي أن مولودتي أنثى، اغتاله الحزن ولم يطمئن على صحة ابنتي أو صحتي، وتابعت: لمدة ثلاثة أيام وزجي يرفض تسلُّمنا من المستشفى، اتصلت على أشقاء زوجي ليساعدوني في محنتي، بيد أنهم خذلوني وأوصدوا أبواب الأمل في وجهي، حتى جاء زوجي على استحياء كأن فوق رأسه الخزي والعار، وأخذنا من المستشفى، وتوعدني بالطلاق لأني ألبسته ثوب العار طيلة حياته بإنجابي أنثى.

السماح للأم بتسجيل طفلها

في البداية، أكّد المحامي والمستشار في حقوق الإنسان ( عمر الخولي ) ، أنه بما لا يدع أي مجال للشك.. القاعدة الفقهية تؤكّد "أن الولد للفراش"، وفي تصريحٍ خاص لـ "سبق"، قال: هناك توجّهٌ محمودٌ من "الداخلية" للسماح للمرأة بتسجيل أبنائها في الأحوال المدنيّة إذا رفض الأب أن يقوم بعملية التسجيل، حيث يصبح باستطاعة المرأة أن تحصل على صورةٍ من شهادة الميلاد لتستطيع أن تحل أيَّ أمورٍ تتعلق بالطفل، انطلاقاً من مبدأ عدم الضرر للطفل، وسيكون هناك تنظيمٌ معينٌ يحكم الأمر حتى لا تعلق أمور الأبناء.

وأعرب عن أسفه من الفكر الذكوري الذي يرفض تسجيلاً لابنته في بطاقة الأحوال المدنية اعتقاداً منه أنها ستجلب العار فيما بعد، معتبراً تلك الاعتقادات كارثةً مجتمعية تعود بالمجتمع إلى الخلف. وقال: مع الأسف لا يزال داخل مجتمعنا مَن إذا بُشِّر بالأنثى ظل وجههُ مسوداً، ومازالت هناك رواسب تاريخية تسيطر على الرجل، وينسى، أو يتناسى، أن تلك الفتاة جزءٌ لا يتجزّأ منه.

دور القضاء

أشار المستشار في حقوق الإنسان، إلى أن القضاء السعودي مناصرٌ للرجل حيث يعاني التفكير الذكوري، مشيراً إلى ما تعانيه المرأة من اضطهادٍ داخل المحاكم والذي عادة ما يترتب عليه ضياع حقوقها على حد قوله.

وقال: هناك المئات من القضايا الأسرية تأتي إلى حقوق الإنسان بعد أن خذلها القضاء، أو تباطأ في حل مشاكلها، ورداً على سؤال عن دور حقوق الإنسان في التعامل مع هؤلاء النسوة، أجاب: نضطر آسفين - إلى رفع الأمر لأمير المنطقة، وبدوره يساعد على حل المشكلة وإنهائها، بيد أنه تساءل قائلاً: إلى متى سيظل دور القضاء غير مقنعٍ في القضايا التي تعني المرأة، معرباً عن أسفه من عدم وجود نصوص قانونية واضحة.

وعمّا إذا كانت محاكم الأحوال الشخصية ستقلل من المشكلات، قال الخولي: جميعنا نأمل في محاكم أحوال شخصية، ولكن بعقلية مختلفة ترفض مناصرة الرجل، بل تسعى إلى حل مشكلات الطرف الأضعف حتى لا تصبح المرأة دائما هي الضحية.

العرف الاجتماعي

أما الناشطة والكاتبة أميرة كشغري، فرأت أن العرف الاجتماعي مميّز ضدّ المرأة، ولهذا نجد أن أغلب الحالات التي تُعرض هي لرفض استخراج شهادة ميلاد للبنات، مشيرة إلى أن نظرة المجتمع للطفلة الأنثى تختلف تماماً عن الذكر.

وقالت: المرأة ما زالت تعاني الوأد الاجتماعي، حيث يتم التعامل معها بشكل جاهلي، وعلى الرغم من تأثير العامل الاجتماعي والعادات والتقاليد والعديد من الموروثات التي تدور كلها حول دونية المرأة، إلا أن القانون يظل هو الذي يضمن للمرأة حقوقها، ووضع حدٍّ لرفع الظلم عنها، وخاصة عندما تكون من أسر محدودة الدخل.

وأكّدت أنه من الصعوبة تغيير الموروث الاجتماعي، والدليل على ذلك أنه حتى الآن ونحن في القرن الحادي والعشرين وما زال هناك ذلك النوع من الرجال الذي يحاسب الطفلة؛ لأنها خُلقت أنثى، مؤكدة أن التغيير الاجتماعي لا بُدَّ أن يأتي من القانون حتى يصير ضرورة يجب اتباعها.

وتساءلت: كيف تتم معالجة الفكر الذكوري الذي ينظر للأنثى نظرةً دونية هامشية؟ وهل يمكن لهذا الفكر أن يستمر إذا كان هناك قانونٌ رادعٌ مانعٌ للظلم يقف بجوار المرأة المظلومة؟

ورأت أن محاكم الأحوال الشخصية ستلعب دوراً كبيراً في القضاء على كثير من مشكلات المرأة، إلا أنه يلزم أن تكون هناك محامياتٌ قادراتٌ على فهم أمور المرأة ومشكلاتها، وقاضياتٌ يتخصّصن في مشكلات المرأة حتى لا نستمر في غيبات الفكر الذكوري.

وزارة للمرأة

وأبانت لـ "سبق" الكاتبة والروائية أميمة الخميس، المشكلات السافرة التي تتعرّض لها المرأة كإهمال حقوقها واستغلالها، وتعرُّضها للعنف، وكذلك عدم قدرتها على متابعة أعمالها بيسرٍ دون وجود وكيلٍ شرعي، ترجع إلى تداخل الموروثات الثقافية مع العادات والتقاليد التي تقلص دور المرأة في المجتمع.

ولحل هذه المشكلات اقترحت الخميس تقنين الشريعة الإسلامية فيما يختص بحقوق المرأة والطفل، إنشاء محاكم أسرية تُعنى بالأحوال الشخصية، مؤكدة ضرورة إنشاء وزارة أو هيئة عليا تُعنى بشئون المرأة والطفل، وكذلك تفعيل دور المرأة بمجلس الشورى.

وأوضحت أن هذه الإجراءات تُسلط الضوء على أوجه القصور في المجتمع الذي جعل المرأة هدفاً عاماً للعنف أو الإهمال أو الاستغلال، مطالبة المؤسسات العدْلية بإنشاء أقسامٍ نسائية، وإفساح المجال للمرأة للعمل كمحامية وقاضية، مشدّدة على وجود توجّه إعلامي ثقافي يتزامن مع هذه الخطوات لخلق رأي عام إيجابي، وطرح إعلامي هادف يتعامل مع المرأة إيجابياً ويدعم مسيرتها الحضارية.


التعليقات

التعليقات ( 0 )

التعليقات ( 0 )